تبلیغات
بای ذنب قتلت....؟

بای ذنب قتلت....؟
المظلومه الشهیده فاطمه سلام الله علیها
قالب وبلاگ
نویسندگان

الردود على قائد الوهابیین

إنّ حركة محمد بن عبد الوهاب هی امتداد لحركة أُستاذه ابن تیمیة الحرانی الدمشقی الّذی خرج من «حران» دمشق فی القرن الثامن الهجری ،وقد تبنّى عقائد منحرفة وآراء شاذة بلبلت أذهان المسلمین، ومزّقت وحدتهم، وفرّقت جماعتهم، وأوقدت نیران الفتنة فی مجتمعهم، ونظراً لآرائه السقیمة وأفكاره المنحرفة فقد تصدى علماء عصره. لنقد آرائه و الحكم بانحرافه وخاصّة بعد ما كتب عقائده الباطلة و نشَرها بین الناس.

و قد تلخّصت الحرب الدینیة ضدّ ابن تیمیّة فی نقطتین:

الأُولى: تألیف الكتب و كتابة الردود على أفكاره الباطلة، و تزییفها على ضوء القرآن و السنَّة الشریفة.

و كنموذج من ذلك نُشیر إلى بعض ما صدر ضدّه من الكتب:

1ـ شفاء السقام فی زیارة قبر الإمام: بقلم تقىّ الدین السبكی.

2ـ الدرّة المضیئة فی الردّ على ابن تیمیّة: بقلم المؤلّف السابق.

3ـ المقالة المرضیّة: تألیف قاضی قضاة المالكیّة تقىّ الدین أبی عبدالله الأخنائی.

4ـ نجم المهتدی و رجم المقتدی: بقلم فخر بن محمّد القرشی.

5ـ دفع الشبهة: بقلم تقىّ الدین الحصنی.

6ـ التحفة المختارة فی الردّ على منكر الزیارة: بقلم تاج الدین.


هذه بعض الردود التی كُتبت ضدّ عقائد ابن تیمیّة و آرائه السقیمة، وكشفتْ عن سفاهتها وقشریَّتها.

الثانیة: هجوم العلماء و الفقهاء علیه، و إصدار الحكم و الفتوى بفسقه تارةً، وبكفره تارةً أُخرى، و التحذیر من البدَع التی أحدثها فی الدین الحنیف.

و منهم قاضی القضاة فی مصر «البدر بن جماعة» فقد كتبوا إلیه رأی ابن تیمیّة فی زیارة النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) فكتب قاضی القضاة:

«إنّ زیارة النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) سُنَّة مستحبة، و قد اتّفق العلماء على ذلك، و كلّ من یرى حرمة زیارته فیجب على العلماء زجره و نهیه عن مثل هذه الآراء، فإن لم یردعه ذلك لزم حبسُه و فضحه بین الناس حتى لا یقتدوا به».

و لیس هذا القاضی الشافعی فی مصر وحیداً فی فتواه هذه، بل أصدر قضاة المالكیة والحنبلیة فتاوى مماثلة فی تفسیق ابن تیمیّة والحكم بضلاله وانحرافه.( [17])

وبالإضافة إلى ذلك كلّه، فقد كتب الذهبی الَّذی یُعتبر من علماء القرن الثامن الهجری، و له تألیفات قیّمة فی الحدیث و الرجال ـ و كان مُعاصراً لابن تیمیّة ـ كتب رسالة ودّیة إلیه ینهاه فیها عن منكراته، و شبَّهه فیها بالحجّاج الثقفی فی ضلاله و فساده.( [18])

إلى أن أهْلك الله ابنَ تیمیّة فی عام 728 هـ فی سجن الشام، فحاول تلمیذه ابن القیّم أن یواصل نهج أُستاذه، لكنّه لم یفلح فی ذلك، فماتت أفكار ابن تیمیّة بموته، و فنیتْ بفنائه، و زالت بزواله، واستراح المؤمنون من بدعه وضلالاته.

إلى أن ألقى الشیطان حبائله من جدید، فجاء محمّد بن عبدالوهّاب حاملا أفكار ابن تیمیّة البائدة و اتفق مع آل سعود لیقوم كلّ منهما بتأیید الآخر، هذا فی الحكم و ذاك فی التشریع، فعاد الضلال یَنشر خیوطه فی «نجد» وانتشرت الوهّابیّة فی بلاد نجد انتشار السرطان الأثیم فی الجسم، فانخدع جمعٌ من الناس، و تحزَّبوا ـ و مع كلّ أسف ـ باسم التوحید للقضاء على أهل التوحید، و أراقوا دماء المسلمین باسم الجهاد مع المشركین، و راح الأُلوف من الناس ـ رجالا ونساءً و صغاراً و كباراً ـ ضحیَّة لهذه البِدَع و الأباطیل، و توسَّعت شُقّة الخلاف بین المسلمین، و أُضیف على مذاهبهم المتعدّدة، مذهب جدید.

و قد بلغت المصیبةُ ذروتَها عندما سقط الحَرَمان الشریفان ـ مكّة والمدینة ـ فی قبضة هذه الزمرة المنحرفة، و عَمد النجدیّون الوهّابیّون ـ وبالتعاون مع بریطانیا الحاقدة التی كانت تهدف إلى تقسیم الدولة الإسلامیة إلى دویلات صغیرة تحدُّها الحدود الجغرافیة ـ عمدوا إلى محو الآثار الإسلامیة فی مكّة والمدینة، و هدْم قبور أولیاء الله و هتك حرمة آل رسول الله، و غیر ذلك من الجرائم و المنكرات التی یهتزّ لها ضمیر المسلم.

یقول بعض المؤرّخین:

«بادر الوهّابیّون ـ لمّا استولوا على مكّة ـ بالمساحی فهدموا ـ أوّلا ـ ما فی «المعلّى» مقابر قریش ـ من الِقباب، و هی كثیرة، منها قُبَّة سیّدنا عبدالمطّلب جدّ النّبی (صلى الله علیه وآله وسلم) و قُبَّة سیّدنا أبی طالب ـ رضوان الله علیه ـ و قبَّة السیدة خدیجة ـ رضوان الله علیها ـ كما هدموا قبَّة مولد النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) و مولد أبی بكر، و مولد الإمام علی (علیه السلام) و هدموا قبَّة زمزم و القباب التی حول الكعبة، و تتبّعوا جمیع المواضع التی فیها آثار الصالحین فهدموها، و كانوا ـ عند الهدم ـ یرتجزون و یضربون بالطبول ویُغنُّون ویُبالغُون فی شتم القبور... حتى قیل إنّ بعضهم بال على قبر السیّد المحجوب!!...».( [19])

قال العلاّمة السید صدر الدین الصدر ـ المغفور له ـ :

لعمری إنّ فاجِعةَ البقیع *** یُشیبُ لهولها فؤود الرضیع

و سوف تكون فاتحة الرزایا *** إذا لم یُصحَ من هذا الهجوع

أما مِن مسلم للّه یرعى *** حقوق نبیِّه الهادی الشفیع

و قال آخر:

تبّاً لأحفاد الیهود بما جَنَوا *** لم یكسبوا من ذاك إلاّ العارا

هتكـوا حریـم محمّد فی آلِه *** یاویلهم قد خالفـوا الجبّارا

هَدموا قبور الصالحیـن بحقـدهم *** بُعداً لهم قد أغضبوا المختارا

و انطلاقاً من قول النّبی ـ صلّى الله علیه و آله ـ :

«إذا ظهرت البِدَع فعلى العالِم أن یُظهر عِلمه، و إلاّ فعلیه لعنة الله».

فقد تصدّى علماء الشیعة ـ و علماء السنّة أیضاً كما ذكرنا ـ لهذا الغزو الوهّابی الحاقد، وكتبوا الكتب و نشروا المنشورات، فی فضح هذا الرجل ـ الَّذی جاء یُحقق أهداف بریطانیا فی ثوب جدید ـ و كشف القناع عن حقیقته والردّ على آرائه الشاذّة.

و أوّل كتاب صدر فی الردّ على ابن عبدالوهّاب هو كتاب «الصواعق الإلهیة فی الردّ على الوهّابیّة» بقلم أخیه الشیخ سلیمان.

كما أنّ أوّل كتاب صدر ضدَّه من علماء الشیعة هو كتاب «منهج الرشاد» للشیخ الكبیر المرحوم الشیخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى سنة 1228 هـ ) و قد كتب كتابه هذا جواباً على رسالة بعثها إلیه الأمیر عبدالعزیز بن سعود ـ أحد الأُمراء السعودیّین فی وقته ـ و قد زیَّف فی كتابه أفكار محمّد بن عبدالوهّاب وأثبت بطلانها على ضوء القرآن و السنّة. و قد طبع الكتاب فی عام 1343 هـ فی النجف الأشرف فی العراق.

ثم تتابَع الردّ و النقد فی ظروف مختلفة، و صدرت الكُتب تترى واحدة تلو الأُخرى، حتى زماننا هذا. و فی عصرنا الحاضر صعَّد الوهّابیّون حَملاتهم المسعورة ضدّ مخالفیهم من المسلمین، بفضل الثروة الطائلة التی یجنیها آل سعود من أرباح البترول العائدة إلیهم فقط.

لقد خصّصت السلطة السعودیة جزءاً كبیراً من أرباح البترول لترویج هذا المذهب المفرِّق و نشره بین المسلمین، ولولا هذه الأموال الطائلة لما عاش هذا المذهب الواهی إلى هذا الوقت.

لقد وَجد الاستعمار ضالَّته فی هذا المذهب، و اتّخذه خیر وسیلة لإلقاء التفرقة بین المسلمین وتشتیت صفوفهم، و ضرْب بعضهم البعض.

و قد حقّق هذا المذهب أهداف الاستعمار الغاشم الأثیم، فتراه قد أوجد الفتنة بین المسلمین، هذا یُفسّق ذاك و ذاك یُكفّر هذا... و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلىّ العظیم.

عقائد الوهابیة 1 - تحریم بناء القبور وهدم المشاهد علیها

إنّ مسألة بناء القبور وتشیید مراقد الأنبیاء وأولیاء الله الصالحین من المسائل الحسّاسة عند الوهابیّین، وقد كان ابن تیمیة وبعده ابن قیم أوّل من أفتى بحرمة بنائها ووجوب هدمها، یقول ابن القیم:

یجب هدم المشاهد الّتی بنیت على القبور، ولا یجوز إبقاؤها ـ بعد القدرة على هدمها وإبطالها ـ یوماً واحداً .( [20])

وعلى هذا الأصل لمّا استولى السعودیّون على الحرمین الشریفین هدموا المراقد المقدسة فی البقیع، وبیوت أهل البیت (علیهم السلام) ، بعدما رفعوا سؤالاً إلى علماء المدینة المنورة، وإلیك السؤال والجواب:

السؤال: ما قول علماء المدینة المنورة ـ زادهم الله فهماً وعلماً ـ فی البناء على القبور، واتّخاذها مساجد، فهل هو جائز أم لا؟ وإذا كان غیر جائز بل ممنوع منهی عنه نهیاً شدیداً، فهل یجب هدمها ومنع الصلاة عندها أم لا ؟

وإذا كان البناء فی مسبلة كالبقیع، وهو مانع من الانتفاع بالمقدار المبنی علیه، فهل هو غصب یجب رفعه لما فیه من ظلم المستحقین ومنعهم استحقاقهم أم لا ؟ الجواب: أمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً، لصحّة الأحادیث الواردة فی منعه، ولذا أفتى كثیر من العلماء بوجوب هدمه، مستندین بحدیث علی (رضی الله عنه) أنّه قال لأبی الهیاج: ألا أبعثك على ما بعثنی علیه رسول الله، ان لا تدع تمثالاً إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سویته. ( [21])

یلاحظ على ما ذكره: انّه كیف یدّعی إجماع المسلمین على حرمة البناء مع أنّ سیرة المسلمین وعملهم منذ أن ارتحل النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) إلى یومنا هذا هی البناء على القبور، فقد دفن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) فی بیته الرفیع ولم یخطر ببال أحد من الصحابة الحضور أن البناء على القبر حرام، وانّه (صلى الله علیه وآله وسلم) نهى عنه نهیاً شدیداً، ولمّا كان البیت متعلّقاً بزوجته عائشة جعلوا فی وسطه ساتراً، ولمّا توفّى الشیخان أوصیا بدفنهما فی حجرة النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) تبركاً بذاته ومكانه، ولم یخطر ببال أحد انّه على خلاف الدین والشرع.

وأمّا الحدیث الّذی استدلّ به، فلا یدلّ على ما رامه لأنّ محل الشاهد فی الحدیث هو قوله: «إلاّ سویته» وهو یستعمل على وجهین :

أ ـ یطلق ویراد منه مساواة شیء بشیء، فیتعدى إلى المفعول الثانی بحرف التعدیة كالباء، قال سبحانه: ( إِذْ نُسَوِّیكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِینَ ) ( [22]) .

أی نعد الآلهة المكذوبة متساوین مع رب العالمین، فنضیف إلیكم ما نضیف إلى رب العالمین. ب ـ یطلق ویراد منه ما هو وصف لنفس الشیء لا بملاحظة شیء آخر، فیكتفی بمفعول واحد، قال سبحانه: ( الذِی خَلَقَ فَسَوَّى )( [23]) وقال سبحانه: ( بَلَى قَادِرِینَ عَلَى أَنْ نُسَوِّیَ بَنَانَهُ ) ( [24]) ، ففی هذین الموردین وضعت التسویة وصفاً لنفس الشیء بلا إضافة إلى غیره، وعندئذ یكتفی بمفعول واحد، ویكون المراد من التسویة حسب اختلاف الموارد تارة كمال الخلقة واستقامتها فی مقابل نقصها واعوجاجها، وهذا هو المراد فی الآیتین المذكورتین، وأُخرى تسطیحه مقابل اعوجاجه وبسطه مقابل كونه كالسنام.

إذا عرفت هذا فلنعد إلى الحدیث ولنطبق الضابطة علیه، فبما انّه استعمل مع مفعول واحد فلا یراد منه المعنى الأوّل أی مساواته بالأرض، وإلاّ كان علیه أن یقول سویته بالأرض، بل یراد ما هووصف لنفس القبر، والمعنى المناسب هو تسطیح القبر فی مقابل تسنیمه، وبسطه فی مقابل اعوجاجه، وهذا هو الّذی فهمه شراح الحدیث.

قال القرطبی: قال علماؤنا ظاهر حدیث أبی الهیاج منع تسنیم القبور ورفعها وان تكون واطئة. ( [25])

وقال النووی فی شرح الحدیث: إنّ السنّة ان القبر لا یرفع عن الأرض رفعاً كثیراً، ولا یسنّم، بل یرفع نحو شبر. وهذا مذهب الشافعی ومن وافقه. ( [26])

ویؤیّد ذلك انّ مسلماً صاحب الصحیح ذكر الحدیث تحت عنوان باب تسویة القبور. ( [27])

عقائد الوهابیة 2 - حرمة بناء المساجد على القبور والصلاة فیها

ذهبت الوهابیة إلى حرمة بناء المساجد على القبور، وحرمة قصد الصلاة فیها حتّى قال ابن تیمیة: إنّ المسجد والقبر لا یجتمعان. ( [28])مستدلاًّ بما روی عن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) : لعن الله الیهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبیائهم مساجد. ( [29])

وقد استغلت الوهابیة هذا الحدیث وخرجوا بالنتیجة التالیة:

حرمة بناء المساجد على القبور وحرمة قصد الصلاة فیها .

وقبل تحلیل الحدیث نعرض المسألة على القرآن الكریم .

إنّ القرآن صادق مصدق لا یأتیه الباطل، یذكر سبحانه فیه قصة أصحاب الكهف وأنّ القوم لمّا عثروا على أجسادهم الطریة فی الغار اختلفوا على قولین:

1- ( فَقَالُوا ابْنُوا عَلَیْهِمْ بُنْیَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) .

2- ( قَالَ الَّذِینَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَیْهِمْ مَسْجِدًا ) . فالآیة صریحة فی أنّ القوم بعدما عثروا علیهم اختلفوا فی كیفیة تكریمهم على قولین:

1-البناء على قبورهم: ( ابْنُوا عَلَیْهِمْ بُنْیَاناً ) .

2-بناء المسجد على قبورهم: ( لَنَتَّخِذَنَّ عَلَیْهِمْ مَسْجِدًا ) .

والقرآن الكریم یذكر كلا القولین من دون رد وطعن، فلو كان كلّ من القولین خصوصاً القول الثانی على خلاف الهدایة وفی جانب الضلالة لأشار إلى ردّه وطعنه، فسكوت القرآن تجاه هذین القولین ونقلهما عن القوم بصورة كونه عملاً مستحسناً (لأنّهم اقترحوا ذینك العملین لتكریم أصحاب الكهف) أقوى شاهد على جواز العمل فی الأُمّة المحمدیة.

وقد اتّفق المفسرون على أنّ القول الثانی كان للموحّدین، ویدلّ على ذلك ما جاء فی التاریخ انّ العثور على أصحاب الكهف وانكشاف أمرهم كان فی عصر انتصار التوحید على الشرك، وكان قادة المشركین ـ الداعین إلى عبادة الأصنام ـ مندحرین مغلوبین، فاقتراح بناء المسجد جاء من المؤمنین بالله الموحّدین له سبحانه. فإذا كان بناء المسجد على قبور الصالحین أو بجوارها علامة على الشرك فلماذا صدر هذا الاقتراح من المؤمنین؟!

إنّ هذا تقریر من القرآن على صحّة اقتراح أُولئك المؤمنین، ومن المعلوم أنّ تقریر القرآن حجة شرعیة لا ینازعه شیء.

وأمّا الحدیث الّذی استدلّت به الوهابیة على حرمة بناء المساجد على القبور، فالمراد بناء المساجد على القبور والسجدة لصاحب القبر أو اتّخاذه قبلة، لا مجرد من اتّخذ القبور مسجداً مجرداً عن أی شرك، أو إذا كانت إقامة الصلاة عند قبورهم من باب التبرّك بهم.

وممّا یدلّ على أنّ المراد هو بناء المساجد على القبور والسجود لهم أو إلیها هو انّ بعض الروایات وصفت هؤلاء بأنّهم شرار الناس، ففی حدیث: فاعلموا أنّ شرار الناس الذین اتّخذوا قبور أنبیائهم مساجد، ان توصیفهم بأنّهم شرار الخلق عند الله یمیط الستر عن حقیقة عملهم، إذ لا یوصف الإنسان بالشر المطلق، إلاّ إذا كان مشركاً، قال سبحانه: ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِینَ لاَ یَعْقِلُونَ ) ( [30]) .

كلّ ذلك یكشف عن مغزى الحدیث، وانّ عملهم لم یكن عملاً مجرداً مثل صرف بناء المسجد على القبر والصلاة فیه، أو إقامة الصلاة عند القبور، بل كان عملاً مقترناً بالشرك بألوانه وصوره المختلفة كاتخاذ القبر إلهاً ومعبوداً أو قبلة عند الصلاة أو السجدة علیها بمعنى اتّخاذها مسجوداً .

وقد فهم غیر واحد من العلماء نفس ما ذكرناه من الحدیث، یقول القسطلانی فی «إرشاد الساری» نقلاً عن البیضاوی:

لمّا كانت الیهود والنصارى یسجدون لقبور الأنبیاء تعظیماً لشأنهم ویجعلونها قبلة یتوجّهون فی الصلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً، لعنهم النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ومنع المسلمون عن مثل ذلك، فأمّا من اتّخذ مسجداً فی جوار صالح وقصد التبرّك بالقرب منه ـ لا للتعظیم ولا للتوجه إلیه ـ فلا یدخل فی الوعید المذكور. ( [31]) هذا كلّه حول بناء المساجد، وأمّا الصلاة على القبور فلأجل انّ لمشاهد الأولیاء ومراقدهم شرفاً وفضیلة خاصّة لا توجد فی غیرها.

إنّ القرآن الكریم یأمر حجاج بیت الله الحرام بإقامة الصلاة عند مقام إبراهیم وهی الصخرة الّتی وقف علیها إبراهیم لبناء الكعبة، فیقول:

( وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَیْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْنًا وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِیمَ مُصَلًّى ) ( [32]) .

إنّ الصلاة فی مقام إبراهیم لأجل التبرّك بمقام النبی إبراهیم، فلو كانت عبادة الله تبارك وتعالى مقرونة بالتبرّك بمكان المخلوق شركاً، فلماذا أمر به سبحانه، فهل هناك فرق بین مقامهم ومثواهم؟!

إنّ المسلمین جمیعاً یصلّون فی حجر إسماعیل مع أنّ الحجر مدفنه ومدفن أُمّه هاجر، فأی فرق بین مرقد النبی ومدفن أبیه إسماعیل؟!

إذا كانت الصلاة عند القبر محرمة فی الشریعة الإسلامیة، فلماذا قضت عائشة عمرها فی البیت الّذی دفن فیه الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) ؟

وانّ السیدة فاطمة الزهراء ـ الّتی قال فی حقّها النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) : إنّ الله یرضى لرضى فاطمة ویغضب لغضبها ـ كانت تزور قبر عمّها حمزة كلّ جمعة أو فی كل أُسبوع مرّتین، فتصلّی وتبكی عنده . ( [33])

عقائد الوهابیة 3 - جواز زیارة القبور وحرمة شدّ الرحال إلیها

اتّفق المسلمون على استحباب زیارة القبور لما فیه من فوائد تربویة ذكرها النبی فی حدیثه المعروف .

روى أصحاب السنن عن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) أنّه قال: «كنت نهیتكم عن زیارة القبور فزوروها، فإنّها تزهّد فی الدنیا وتذكّر الآخرة». ( [34])

وقد اتّفق المسلمون أیضاً على استحباب زیارة قبر النبی خصوصاً ـ غیر ابن تیمیة ـ وأفضل دلیل على ذلك هو السیرة المستمرة من عصر رحیل الرسول إلى یومنا هذا، مضافاً إلى الروایات المتوفرة من أنّه (صلى الله علیه وآله وسلم) قال: «من زار قبری وجبت له شفاعتی». ( [35]) ولكن المروی عن محمد بن عبد الوهاب فی الرسالة الثانیة من رسائل الهدیة السنیة: تسنّ زیارة النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) إلاّ أنّه لا یُشدّ الرحال إلاّ لزیارة المسجد والصلاة فیه. والدلیل الّذی یتمسّكون به فی تحریم الزیارة هو الحدیث المذكور فی صحاحهم عن أبی هریرة انّه قال: قال رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) :

لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدی هذا، ومسجد الحرام، والمسجد الأقصى.

وروی هذا الحدیث بصورة أُخرى، وهی:

إنّما یسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدی، ومسجد إیلیا.

وروی أیضاً بصورة ثالثة، وهی:

تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد... .( [36])

لكن مفاد الحدیث لا یصلح للاستدلال، لأنّ الاستثناء فی الحدیث مفرغ بمعنى انّ المستثنى منه غیر مذكور، وبما انّ المستثنى هو المساجد الثلاثة فیكون قرینة على أنّ المستثنى منه هو لفظة مسجد، فیكون معنى الحدیث لا تشدُّ إلى أی مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، وأین هذا من شدّ الرحال إلى زیارة قبر النبی؟!

نعم لو كان المستثنى منه وهو لفظة مكان لدلّ على ما یرتئیه الوهابیون من تحریم شدّ الرحال، فیكون معنى الحدیث: لا یشدّ إلى مكان من الأمكنة إلاّ السفر إلى المساجد الثلاثة، ومن المعلوم أنّ هذا باطل، إذ لو كان الهدف منع كافة السفرات الدینیة ـ غیر المساجد الثلاثة ـ محرّمة، فلماذا یُشدّ الرحال إلى هذه المناطق؟ مع أنّ القرآن الكریم أشار إلى بعض السفرات الدینیة ورغب فیها كالسفر لأجل الجهاد وطلب العلم وصلة الرحم وزیارة الوالدین.

وفی الختام لابد من الإشارة إلى أنّ النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) عندما قال: «لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد...» فانّه لا یعنی انّ شدّ الرحال إلى المساجد الأُخرى حرام، بل معناه أنّ المساجد الأُخرى لا تستحقّ شدّ الرحال إلیها، وتحمّل مشاق السفر من أجل زیارتها، لأنّ المساجد الأُخرى لا تختلف من حیث الفضیلة مع الآخر اختلافاً كبیراً، فلا داعی إلى أن یشدّ الإنسان الرحال إلى المسجد، أمّا إذا شدّ الرحال إلیه فلیس عمله هذا حراماً ولا مخالفاً للسنّة الشریفة، ویدلّ علیه ما رواه أصحاب الصحاح والسنن:

«كان رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) یأتی مسجد قبا راكباً وماشیاً فیصلی فیه ركعتین».( [37])

ولنا ان نتساءل: كیف یمكن أن یكون شدّ الرحال وقطع المسافات من أجل إقامة الصلاة مخلصاً لله فی بیت من بیوته سبحانه حراماً ومنهیاً عنه؟!

إذا كانت الصلاة فی المسجد مستحبة، فانّ الظاهر انّ مقدّمة المستحب مستحبة أیضاً .

عقائد الوهابیة 4 - حرمة التوسّل بالأنبیاء والصالحین

یعتبر التوسّل بأولیاء الله وأحبّائه من المسائل المعروفة بین المسلمین فی كافة أنحاء العالم، وقد وردت أحادیث كثیرة فی جوازه واستحبابه، فهو لیس ظاهرة غریبة، بل هو أمر دینی تعارف علیه المسلمون منذ فجر الإسلام حتّى هذا الیوم، ولا تجد مسلماً ینكره.

وطوال أربعة عشر قرناً لم ینكره أحد سوى ابن تیمیة وتلامیذه فی القرن الثامن الهجری، وبعد قرنین جاء محمد بن عبد الوهاب فاعتبر التوسّل بأولیاء الله بدعة تارة وعبادة للأولیاء أُخرى .

فنقول: إنّ القرآن الكریم حثّ المسلمین على الإتیان إلى النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) وطلب الاستغفار منه، وهو نوع توسّل بدعاء النبی فی حیاته، قال سبحانه: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِیماً ) ( [38]) . وقال سبحانه: ( وَ إِذَا قِیلَ لَهُمْ تَعَالَوْا یَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَیْتَهُمْ یَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) ( [39]) .

وقال سبحانه ناقلاً عن أبناء یعقوب: ( یَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِینَ ) ( [40]) .

ولأجل هذا قبل الوهابیون التوسّل بدعاء النبی فی حال حیاته وانّما یمنعون موردین آخرین :

1-التوسّل بدعاء النبی بعد رحیله .

2-التوسّل بذات النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) وجاهه وحرمته مطلقاً، سواء أكان النبی حیّاً أم میتاً .

ولیس لهم دلیل صالح على المنع مع أنّ الأدلّة تؤیّد كلا التوسّلین، فإلیك دراسة التوسّل بمقام النبی وذاته وجاهه وحرمته، ثم دراسة التوسّل بدعاء النبی بعد رحیله .

التوسّل بذات النبی ومنزلته:

إنّ الدعاء الّذی علّمه النبی للضریر، فقد جاء فیه التوسّل بذات النبی وقدسیّته والحدیث من الأحادیث الصحاح الّتی اعترف بها حتّى ابن تیمیة.

روى عثمان بن حنیف أنّه قال: إنّ رجلاً ضریراً أتى النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) فقال: ادع الله أن یعافینی.

فقال (صلى الله علیه وآله وسلم) : «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت وهو خیر» .

قال: فادعه! فأمره (صلى الله علیه وآله وسلم) أن یتوضّأ فیحسن وضوءه، ویصلّی ركعتین، ویدعو بهذا الدعاء :

«اللّهم إنّی أسألك وأتوجه إلیك بنبیّك نبی الرحمة، یا محمد إنّی أتوجّه بك إلى ربی فی حاجتی لتقضى، اللّهم شفّعه فیّ».

قال ابن حنیف: والله ما تفرّقنا وطال بنا الحدیث، حتّى دخل علینا كأنّه لم یكن به ضر.( [41])

إنّ دلالة الحدیث على أنّ النبی أمر الضریر أن یتوسّل بنفس النبی وفی الحقیقة انّ حرمته ومكانته عند الله واضحة، وإلیك بیانها:

1-«اللّهم إنی أسألك وأتوجه إلیك بنبیّك:

إنّ كلمة «بنبیّك» متعلّقة بفعلین: «أسألك» و «أتوجه إلیك» والمراد من النبی نفسه المقدّسة وشخصه الكریم، لا دعاؤه.

إنّ من یقدّر كلمة «دعاء» قبل لفظ «نبیك» ویصور أنّ المراد: أسألك بدعاء نبیك أو أتوجّه إلیك بدعاء نبیك، فهو یتحكّم بلا دلیل، ویؤوّل بلا جهة، ولو أنّ محدثاً ارتكب مثله فی غیر هذا الحدیث لرموه بالجهمیة والقدریة.

2-«محمد نبی الرحمة»:

لكی یتّضح انّ المقصود هو السؤال من الله بواسطة النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) وشخصه جاء بعد كلمة «نبیك» جملة «محمد نبی الرحمة» لكی یتّضح الهدف بأكثر ما یمكن.

3-انّ جملة «یا محمد إنّی أتوجّه إلى ربی»:

تدلّ على أنّ الرجل اتّخذ النبی نفسه وسیلة لدعائه، أی انّه توسّل بذات النبی لا بدعائه.

4-انّ قوله: «وشفّعه فیّ»:

معناه یا رب اجعل النبی شفیعی وتقبّل شفاعته فی حقّی، ولیس معناه تقبل دعاءه فی حقّی.

التوسّل بدعاء النبی والصالحین بعد رحیلهم:

من أقسام التوسّل الرائجة بین المسلمین هو التوسّل بدعاء النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) أو الصالحین بعد رحیلهم.

ولكن ثمة سؤالاً یطرح نفسه وهو:

إنّ التوسل بدعاء الغیر انّما یصحّ إذا كان الغیر حیاً یسمع دعاءك ویستجیب لك ویدعو الله سبحانه لقضاء وطرك ونجاح سؤالك، أمّا إذا كان المستعان به میتاً انتقل من هذه الدنیا، فكیف یصحّ التوسّل بمن انتقل إلى رحمة الله وهو لا یسمع ؟

والجواب: انّ الموت ـ حسب ما یوحی إلیه القرآن والسنّة النبویة ـ لیس بمعنى فناء الإنسان وانعدامه، بل معناه الانتقال من دار إلى دار، وبقاء الحیاة بنحو آخر والّذی یعبّر عنه بالحیاة البرزخیة.

وقد استوفینا الكلام فی هذا الموضوع من كتابنا «بحوث قرآنیة فی التوحید والشرك».( [42])

------


[17] . للتفصیل راجع كتاب « دفع الشبهة » تألیف تقی الدین الحصنی.

[18] . نُشرت هذه الرسالة فی كتاب تكملة السیف الصقیل ص 190، كما نَشر نَصّها الشیخ الأمینی فی كتاب الغدیر: 5/ 87- 89 فراجع.

[19] . كشف الارتیاب: 22 نقلا عن تاریخ الجبرتی.

[20] . زاد المعاد فی هدی خیر العباد: 661 .

[21] . جریدة أُم القرى، وقد نشرت نص الاستفتاء وجوابه فی العدد الصادر بتاریخ 17 شوال 1344 هـ .

[22] . الشعراء: 98 .

[23] . الأعلى: 2 .

[24] . القیامة: 4.

[25] . تفسیر القرطبی: 2 / 380 .

[26] . صحیح مسلم بشرح النووی: 7 / 36، ط الثالثة .

[27] . المصدر نفسه .

[28] . مجموعة الرسائل والمسائل: 1 / 59- 60 ; زاد المعاد: 661 .

[29] . راجع للوقوف على مصادر هذا الحدیث وأشباهه: صحیح البخاری: 2 / 111، كتاب الجنائز ; سنن النسائی: 2 / 871 ; صحیح مسلم: 2 / 568 .

[30] . الأنفال: 22 .

[31] . إرشاد الساری فی شرح صحیح البخاری: 2 / 437- 438، باب بناء المساجد على القبر.

[32] . البقرة: 125 .

[33] . سنن البیهقی: 4 / 78 ; المستدرك: 1 / 377 .

[34] . سنن ابن ماجة: 1 / 501، باب ما جاء فی زیارة القبور .

[35] . راجع مصادر هذا الحدیث فی وفاء الوفا: 4 / 1336 .

[36] . أورد مسلم هذه الأحادیث الثلاثة فی صحیحه: 4 / 126، باب لا تشد الرحال من كتاب الحج .

[37] . صحیح مسلم: 4 / 127 .

[38] . النساء: 64 .

[39] . المنافقون: 5 .

[40] . یوسف: 97 .

[41] . سنن ابن ماجة: 1 / 444، برقم 1385 ; مسند أحمد: 4 / 138 .

[42] . بحوث قرآنیة فی التوحید والشرك: 116 .




[ جمعه 11 مرداد 1392 ] [ 03:35 ب.ظ ] [ حسن حویزاوی ]
.: Weblog Themes By WeblogSkin :.
درباره وبلاگ


این وبلاگ جهت نشان دادن گوشه ای مظلومیت حضرت فاطمه زهراء سلام الله علیها ایجاد شده است . خواهشمند است ما را نظرات سازنده خود محروم نفرمایید متشکرم

آمار سایت
بازدیدهای امروز : نفر
بازدیدهای دیروز : نفر
كل بازدیدها : نفر
بازدید این ماه : نفر
بازدید ماه قبل : نفر
تعداد نویسندگان : عدد
كل مطالب : عدد
آخرین بروز رسانی :
امکانات وب

استخاره آنلاین با قرآن کریم


اللّهُمَّ كُنْ لِوَلِیِّكَ الْحُجَّةِ بْنِ الْحَسَنِ صَلَواتُكَ عَلَیْهِ وَعَلى آبائِهِ فی هذِهِ السّاعَةِ وَفی كُلِّ ساعَةٍ وَلِیّاً وَحافِظاً وَقائِدا ‏وَناصِراً وَدَلیلاً وَعَیْناً حَتّى تُسْكِنَهُ أَرْضَك َطَوْعاً وَتُمَتِّعَهُ فیها طَویلاً

خدمات وبلاگ نویسان جوان

كد عكس تصادفی

كد تقویم